تجمع أهالي قرية برير المحتلة

اهلا وسهلا بك يا (زائر) في (تجمع أهالي قرية برير المحتلة) ,, نتمنى ان تقضي معنا وقتا طيبا
 
الرئيسيةmainfourmس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الشخصية الناجحة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الغزال
مشرف الزاوية الاجتماعية
مشرف الزاوية الاجتماعية
avatar

عدد المساهمات : 1893
نقاط العضو : 3841
تصويتات للعضو : 5
تاريخ التسجيل : 14/11/2009
العمر : 44

مُساهمةموضوع: الشخصية الناجحة   الأربعاء ديسمبر 29, 2010 8:01 am




الشخصية الناجحة







المقدمة
هناك موضوعات خصبة تظل حية في أقلام الكتاب على مرور الأيام. من تلك الموضوعات موضوع الشخصية. فمهما كتب المؤلفون عن الشخصية، فإنهم لا يمكن أن يستهلكوا جوانبها، أو أن يشفوا غليل عاشقي البحث في أغوار الطبيعة البشرية. فثمة جوانب عديدة للشخصية يمكن تناولها بالبحث والاستقصاء.
وثمة من جهة أخرى مناهج كثيرة يمكن للباحث أن يجتزئ بواحد منها، أو يمكن أن يستعين بأكثر من منهج واحد منها فيما يقوم بكتابته. ومن الكتاب من يعتمدون في كتباتهم على التراث السيكلوجي، فينهلون من المصادر المتباينة. ولقد يديح الكاتب كتابه بالاستفتاءات أو بالاستبيانات أو بالتجريب الذي يجريه على مجموعات من الأفراد، ويكون بذلك قد جمع بين النظر والعمل، أو بين النظرية والتطبيق.
وهناك منهج آخر- هو المنهج الذي استعنا به في تأليف هذا الكتاب- وهو المنهج الخبري الذي يقدم بمقتضاه المؤلف خلاصات خبراته المتباينة، سواء كانت خبرات معرفية، أم خبرات وجدانية، أم خبرات اجتماعية، فهو لا يعتمد فيما يكتب على ما سبق لأحد أن كتبه، ولا يورد مقتبسات أو استشهادات من هنا أو من هناك، ولا يقوم باجراء التجارب أو بدعم بحثه بنتائج الاستفتاءات أو الاستبيانات، بل هو يعتمد فيما يقدمه على خبرته الشخصية، وقد أخذ يسوقها في قالب منطقي موضوعي يحاول به اقناع القارئ بما يورده من آراء بغير أن يتخذ موقف الواعظ أو موقف من يستميل القارئ إلى صفه.
فهذا الكتاب- وان بدا من بعض عناوينه أنه يحث القارئ على اتخاذ مواقف معينة، فانه من جهة أخرى يقدم الاتجاهات المتباينة، أو حتى المتعارضة، ويبرهن منطقيا على صحة مايريد حمل القارئ على اتباعه، كما أنه يدحض بالحجج أيضا الآراء المخالفة.
وأهم ما يهم المؤلف، ألا يقيد حرية القارئ، أو أن يلزمه بموقف بالذات. ذلك أنه يؤمن بالاختيارات، بل ويؤمن أن الموقف الأخلاقي الخليق بالاعتبار، هو ذلك الموقف الذي ينبع من الحرية الشخصية، ومن الاختيارات التي يندفع اليها المرء اندفاعا بغير إلحاح من أحد.
ولعلك تلاحظ وأنت تقوم بالرحلة معنا على صفحات هذا الكتاب، أننا نقوم بتفتيح الموضوعات والأفكار من دخائلها. فالفكرة كالنبتة الصغيرة يمكن أن تنمو بالتفكير والتأمل إلى شجرة باسقة مفعمة بالثمار اللذيذة. فنحن نسلط قوة التأمل على الفكرة التي تبدو محدودة، واذ بها تتفتح أمامنا، فنسجل ما تفضي اليه من جوانب النمو التي بزغت من الفكرة المفردة.
وهناك في الواقع قضايا عديدة سقناها في ثنايا الكتاب، وفي أثناء عرضنا للموضوعات المتباينة. على أننا عقدنا العزم منذ شروعنا في كتابة أول كلمة به على اتباع المبدأ الاقتصادي في الكتابة. فليس هناك تزيد يمكن حذفه، كما أنه لا يوجد ما كان حريا بنا أن نضيفه بازاء ما عرضنا له من موضوعات.
وأمام القارئ هنا خمسة وسبعون موضوعا تقع تحت خمسة عشر فصلا. وبمقدور القارئ أن ينتقي أكثر الموضوعات جذبا لانتباهه، وإثارة لاهتمامه، والبدء بقراءتها بغير أن يؤثر هذا على الفهم أو الاتساق أو الاستمرارية. ذلك أن كل موضوع يمكن أن يكون مستقلا عن باقي الموضوعات، مع عدم الاخلال بوحدة الكتاب وتكامليته.
ومن المؤكد أن بعض من يتناولون هذا الكتاب بالقراءة والتأمل، سوف يحصلون على فوائد شخصية في سلوكهم الشخصي. ذلك أن الخبرة المجسمة في كلمات سرعان ما تقضي إلى التأثير في شخصيات من يخلصون في قراءة واستيعاب ما يقرأونه بعناية وتمهل ومعايشة. وحتى إذا اختلفت بعض القراء مع المؤلف في بعض ما ذهب اليه من آراء واتجاهات، فإنهم سيجدون أنفسهم في النهاية وقد عايشوا سطور الكتاب، لأن المؤلف يؤكد مؤمنا أنه لم يكتب الا وكان صادقا مع نفسه فيما قام بكتابته.
وفي نهاية هذه المقدمة السريعة، نرجو من القارئ أن يصبر وألا يتملل بسرعة اذا ما وجد أن ما يقوم بقراءته ليس مجرد تحصيل حاصل، وليس تكرارا لما سبق أن قرأه هنا وهناك من كتب ومجلات, فما يتناوله كتابنا ليس من السطحية بحيث يقرأ بعد أن يكون القارئ قد استهلك نشاطه في مجريات الحياة المتباينة. فكما كلف المؤلف نفسه جهدا وصبرا فيما قام بكتابته، كذا فإنه يطلب من القارئ أن يبذل بعض الجهد، وأن يتأمل ما يقوم بقراءته بغير عجلة أو تصفح سريع..
ثقتك بنفسك هي سر نجاحك..
إن الناس من حولك يحكمون عليك في ضوء سلوكك. إنهم يعاملونك بعد أن يترجموا حركاتك ونظرات عينيك وطريقة كلامك. فكل ما يصدر عنك إما أن يكون لصالحك أو لا يكون.
وتقدير الناس لك هو تقدير لمدى ثقتك في نفسك. فأصدقاؤك يقولون عنك انك واثق من نفسك، أو يقولون عكس هذا. فإذا كان صوتك مرتعشا غير ثابت النبرات، فإنك تكون غير واثق في نفسك. ولقد اخترع علماء النفس جهازا يقيس حركات الحنجرة وذبذبات الأحبال الصوتية في أثناء الكلام. واستفاذ علم النفس الجنائي من هذا الجهاز لمعرفة الحالة النفسية للمتهم. فان ما اضطربت الحنجرة أثناء التحقيق، وزادت سرعة ذبذبة الأحبال الصوتية، فان هذا يشير إلى فقدان ثقة المتهم في نفسه، وبالتالي يوجه اليه الاتهام.
ولا يكتفي علماء النفس بدراسة الذبذبات الصوتية لمعرفة ثقة الشخص في نفسه، بل إنهم يتناولون أيضا الحركات التي يأتيها الشخص. فحركات يديك، وتقلص عضلات وجهك، ومدى اتساع حدقتي عينيك، وطريقة وقوفك أو جلوسك، ووسائل تعاملك مع غيرك تشير جميعا إلى مدى ثقتك في نفسك.
وفي حياتنا اليومية تستطيع أن تعرف مدى ثقة الشخص بنفسه اذا تأملت كلامه. فالشخص الذي يكرر كلمة أو عبارة بين جملة وأخرى يكون قليل الثقة في نفسه. فالذي لا يثق في نفسه يصاب باللوازم الكلامية. من ذلك تكرار كلمة " مثلا " أو كلمة " يعني ". والمصاب باللوازم الكلامية قد يكرر عبارة " وخذ بالك " بين كل جملة وأخرى.

ومن المؤكد أن حشو الكلام بمثل هذه اللوازم الكلامية يضايق المستمع. وبالإضافة إلى مضايقته، فإنه يحكم على المتحدث بضعف ثقته في نفسه.

وهناك أيضا ما يعرف باللوازم الحركية، ومن اللوازم الحركية رفع الحاجبين أو ثني الشفتين أو جذب المستمع من ذقنه. ومن اللوازم التي يصاب بها بعض المدرسين أو بعض المحاضرين قرع المنضدة الموجودة أمامهم بإحدى اليدين بطريقة رتيبة. وتشير هذه اللوازم الحركية إلى عدم الثقة بالنفس.

ومن شواهد ضعف الثقة بالنفس أن يمدح الشخص نفسه أمام الحاضرين. فمن يتحدث عن أمجاده وعن صولاته وجولاته يكون ضعيف الثقة في نفسه. والموظف الذي يقص على زملائه أو على أفراد أسرته كيف أنه أحرج المدير أو تحاده إنما يعبر بذلك عن ضعف ثقته في نفسه. فالشجاع لا يتباهى بشجاعته، والجريء لا يتباهى بجرأته ولا يقول للآخرين إنه جريء. والمغامر لا يستعرض مغامراته.

والواثق في نفسه يتحدث عن المستقبل أكثر مما يتحدث عن الماضي. إنه يفكر فيما يقدر على أدائه، ولا بسترسل في تذكر ما قد تم له إنجازه. فالواثق في نفسه لا يجد وقتا يقضيه في قراءة صفحات ماضية. فهو يركز قوته الذهنية في المخططات التي ينوي القيام بها.

والواثق في نفسه لا يهدد ولا يتوعد. إنك تجده حانيا على الضعفاء، وفرحا بنجاح الناجحين. ذلك أنه واثق من استقرار تقدمه برغم تقدم ونجاح الآخرين. ولكن فاقد الثقة في نفسه يحس بأن نجاح الآخرين يهزمه في معركة الحياة، وأن الناجحين سوف يتركونه وحيدا ومهزوما خلفهم. فهو يتقهقر وهم يتقدمون، وهو يفشل وهم ينجحون..

والواقع أن الثقة بالنفس لا تأتي للمرء إلا بمواصلة النمو وبذل الجهد والمثابرة. فكلما استمرت شخصيتك في النمو، وكلما اجتهدت في حياتك، زادت بالتالي ثقتك في نفسك، والمقصود بنمو شخصيتك: القدرة على التعامل مع البيئة من حولك بحيث يتسنى لك التسلح بخبرات جديدة، وبحيث تستطيع أن تستعين بخبراتك في معالجة المشكلات التي تصادفك في الحياة. فنمو الشخصية لا يتم من فراغ، بل هو يتصل " بهنا والآن" فالحكم على نمو شخصيتك لا يكون بمقاييس إطلاقية، بل يتم بمقاييس نسبية. فنحن نقول إن الطفل الذي يستطيع أن يتعلم الحبو على الأرض يكون قد أحرز نموا يسمح له بالقيام بالعمليات العضلية التي يحتاج إليها في الحبو على الأرض.

وعندما يتمكن ذلك الطفل من الوقوف على قدميه والمشي في حدود الحجرة الواحدة، فإننا نقول إنه أحرز نموا عظيما يسمح له بالوقوف والمشي. ونفس الشيء إزاء الكلام والكتابة وجميع جوانب الشخصية وجميع المهارات الجسمية والذهنية والوجدانية والاجتماعية. فكل ما يشير إلى النجاح في مجابهة مشكلات الحياة المتعلقة" بهنا والآن" إنما يشير في نفس الوقت إلى احراز نمو الشخصية. ومن الواضح أن إحساسك بالنجاح في التعامل مع الوقت الراهن من حولك، إنما يفعمك بالثقة بالنفس..

والنمو في الواقع نموان: نمو طبيعي، ونمو مكتسب بالتعلم. فالطفل يكبر جسمه وتنمو عضلاته وأطرافه. وهذا يتم بطريقة طبيعية ولا أثر للتعلم والتدرب فيه. ولكن توجيه النمو الجسمي وجهات صحيحة بحيث يكون الجسم معتدل القامة، وبحيث يكون المشي بالطريقة السليمة إنما يتم عن طريق التعلم والتمرن. وكثير من الخبرات التي نكتسبها يتم لنا اكتسابها بالطريقة اللاشعورية وبغير قصد أو انتباه من جانبنا. فنحن نكتسب القدرة على الكلام والتحادث مع الآخرين بغير أن ندرك أننا نتعلم في مواقف الحياة المتباينة. ولكن تعلمنا للقراءة والكتابة والحساب والعلوم والمعارف المتباينة لا يأتي لنا عفويا بل يأتي لنا إراديا. فلابد من رسم وتخطيط موقف تعليمي حتى يتسنى لنا تعلم المعارف الإنسانية التي تعتمد على الرموز..

ولكي يتسنى لنا التعامل مع المجتمع الحضاري المحيط بنا، فان علينا ألا نركن إلى التعلم العفوي اللاشعوري، بل يجب أن نخضع للتخطيط الذي يضعه لنا الكبار من جهة، وأن نخطط نحن لأنفسنا لاستمرار نمونا خبريا من جهة أخرى، فكلما استمر نمونا الخبري، كانت قدرتنا على التعامل بنجاح مع البيئة المحيطة بنا أو مع المجتمع الواسع مؤكدة. ومن ثم فإن ثقتنا بأنفسنا تزداد كلما استمر نمونا حضاريا وخبريا..

ونستطيع أن نقرر أن ثقتنا بالنفس تتأتي لنا عن احرازنا لنوعين متباينين من النمو:

الأول- هو النمو الطبيعي، والثاني- هو النمو الحضاري. ولكن من المؤكد أن نموك الحضاري يمكن أن يعوضك عما فاتك من نمو طبيعي. فلقد نجد شخصا ضعيف البنية لأنه لم يحرز نموا طبيعيا مناسبا ولكنه قد يكون أحرز من جهة أخرى نموا حضاريا عوضه عما نقص لديه من نمو طبيعي. فلقد ينبغ ذلك الشخص في مجال علمي ما فيتفوق بذلك على جميع أقرانه. ومن ثم فانه يستشعر ثقة هائلة بالنفس يفتقر إليها جميع أولئك الذين تخلفوا وراءه في مسابقة الحياة..
وإلى جانب النمو وأثرة في إحراز الثقة بالنفس فان هناك مقوما آخر على أكبر جانب من الأهمية هو إحراز الجمال. فلاشك أن الشخص الذي أحرز قدرا من الجمال يستشعر ثقة بالنفس أكبر من الشخص الذي لم يحصل على نصيب من الجمال. بيد أن الجمال جمالان: جمال طبيعي موروث، وجمال مكتسب. ولسنا نبالغ إذا قلنا أن الجمال المكتسب لا يقل أهمية عن الجمال الموروث. ولسنا نخطئ إذا قلنا إن الجمال الموروث بحاجة إلى الجمال المكتسب حتى يبرز للعيان، وحتى لا تنطفئ جذوته وحتى لا يختفي بريقه. والجمال يتمثل في الشكل العام، وفي تناسق التكوين وفي رشاقة الحركة وفي القدرة على استخدام الكلام بنبراته المناسبة وفي تخير الألوان فيما نستخدمه من ملابس وأشياء وأدوات، وفيما نستخدمه من نظام وترتيب في حياتنا اليومية، ولسنا نبالغ إذا قلنا إن جمال العينين الفطري يتباين عن جمال النظرة بهما.

فلقد نجد شخصا عيناه سليمتان تماما، بحيث لا ينقصهما أي مقوم من مقومات الجمال الخلقي. ولكن ذلك الشخص لا يستخدم عينيه استعمالا جميلا في نظراته. ومن ثم فان جمال عينيه يستحيل إلى قبح. فلا غنى إذن للجمال الطبيعي عن الجمال الوظيفي أو المكتسب حتى نصف الشخص- ذكرا كان أو أنثى- بأنه شخص جميل.

فثقتك بنفسك تعتمد إذن على ما تمتع به من جمال ورثته من جهة، وعلى ما اكتسبته من مقومات جمالية في أنحاء شخصيتك المتباينة من جهة أخرى. فما لم تضف ما تعلمته من وسائل جمالية إلى ما ورثته منها، فانك لا تستطيع إذن أن تصير شخصية جميلة، ومن ثم لا تستطيع أن تحرز ثقتك بنفسك..

ولا شك أن ثقتك بنفسك تعتمد على نجاحك في أداء عملك. فالنجار الذي يبدي مهارة في التعامل مع الخشب، بحيث يصنع الأثاث بنجاح، إنما يستشعر ثقة كبيرة بنفسه خلافا للنجار الفاشل في عمله. وقس على هذا جميع الناس في شتى مرافق الحياة المتباينة..
أنت مفعم بثلاث قوى رئيسية. فعندك العقل تفكر به، وعندك العاطفة تحب بها وتكره، وعندك الارادة تؤدي بها ما تريد أداءه من أعمال، وتمنع بواسطتها نفسك من إتيان أعمال أخرى. ولا شك أن شخصيتك لا تكون متكاملة إلا اذا كان مثلث شخصيتك متساوي الأضلاع. فلا بد أن يكون تفكيرك مساويا لعاطفتك، ولابد أن يكون ضلع الارادة في مثلث شخصيتك مساويا لضلعي عقلك وعاطفتك.

والملاحظ أن بعض الناس يبدون إرادتهم في أشياء لا تجدي أو في أشياء تضر، وأن بعض الناس يصابون بالعجز الإرادي. ومن جهة ثالثة فان بعض الناس يصابون بالتذبذب الارادي.

والفئة الأولى من الناس الذين يبدون إرادتهم في أشياء لا تجدي أو في أشياء تضر إنما يعيشون للعبث والاضرار بالآخرين. فالنصابون والمحتالون واللصوص وقطاع الطرق ومثيرو الشغب والمتآمرون يوجهون إرادتهم نحو الإضرار بأنفسهم وبالمجتمع في نفس الوقت. فهؤلاء لديهم إرادة قوية، ولكنها إرادة قوية للشر والعبث وليست إرادة الخير والبناء.

والحري بالمرء ألا يوجه إرادته وجهات عابثة، بل يحول دفة إرادته نحو أشياء مجدية ومفيدة وبناءة له وللآخرين. فلا يجعل من يده أداتين للهدم، بل يجعلهما أداتين للبناء. وألا يوجه طاقاته الارادية إلى الضرر، بل يتجه بها إلى ما يفيده ويفيد المجتمع من حوله.
أما الفئة الثانية من الشباب المصابين بالعجز الإداري، فإنهم لا يفعلون شيئا. إنهم يحلمون بالأعمال العظيمة، ولكنهم يشيدون قصورا في الهواء. إنهم يعيشون بأحلام يقظة خائبة، ولا يترجمون تلك الأحلام العظيمة إلى أعمال واقعية..

والعجز الإرادي يقضي على الشخصية بالذبول والموت. لقد خلقت بيدين لكي تعمل بهما. ولقد خلقت برجلين لكي تسعى بهما نحو المشروعات والأعمال. أما أن تتقاعس وتتقوقع على نفسك وتدس رأسك في الرمال كالنعامة، فإن هذا لا يغير شيئا من الحقيقة. إنك بتقاعسك وتقوقعك تموت وأنت حي، وتجف وأنت نبت أخضر، ويحكم عليك بالشيخوخة وأنت في ربيع عمرك.

يقول لنا علماء النفس إن علاج العجز الإرادي سهل إذا رغبت وعزمت. فقط إبدأ فورا بالنهوض من مرقدك، إنفض عنك غبار الكسل الإرادي تجد نفسك قوي الإرادة. إن المصاب بالعجز الإرادي ليس بحاجة إلى طبيب نفسي يستشيره، وليس بحاجة إلى دواء ينشطه. إنك طبيب نفسك، ودواؤك في جيبك. قل لنفسك:
" فلأبدأ فورا في إنجاز ما يجب علي إنجازه. ولأكن رجل أعمال لا رجل أقوال وأحلام.
أما المصابون بالتذبذب الإرادي، فإنهم ما يكادون يبدأون في عمل ما حتى ينصرفوا عنه، إنهم لا يكملون أي عمل. فالواحد من هذه الفئة يسأم بسرعة ويتبرم بما في يده من أعمال. إنك تجد المتذبذب يتحمس جدا لأحد الأعمال ويسارع بالبدء فيه. ولكنه ما يكاد يبدأ في ذلك العمل حتى يزهد فيه ويتركه إلى غير رجعة لكي يبدأ في عمل آخر.

وبعض المتذبذبين إراديا يفعلون نفس الشيء في الحب والزواج. فالواحد منهم يحب إحدى الشابات ولكنه لا يستطيع أن يستمر في حبه لها، بل ينصرف إلى غيرها. ونفس الشيء بالنسبة للمتذبذبات إراديا. فالواحد منهن تتردد في الإختيار، أو هي تختار ثم ترفض من إختارته، وتختار غيره. ولكنها لا تستقر على أي شخص يقع عليه إختيارها. ومصير هؤلاء المتذبذبين والمتذبذبات الفشل التام في الحب والزواج.

فإذا كنت متذبذبا في حياتك فإنك تستطيع أن تلجم إرادتك بسهولة. أجبر نفسك على الإستمرار في العمل الذي بدأت فيه حتى تنتهي منه. إنك إذا دربت نفسك على هذا فسوف تحظى بالإستقرار الإرادي وتصير شخصا قوي الإرادة.
وثمة في الواقع مجموعة من العوامل التي تعمل على تقوية الإرادة لعلنا نوجزها فيما يلي:

أولا- العوامل الصحية:

فمن المعروف أن الضعف العام والجوع والإصابة ببعض الأمراض الجسمية تؤدي إلى ضعف الإرادة، وتحمل المرء على التقاعس عن أداء الأعمال والنهوض بالمهام الموكولة إليه. أضف إلى هذا ما تؤدي إليه الشيخوخة من فتور في الهمة ومن ضعف في الإرادة في كثير من الأحوال. بيد أن الإصابة ببعض الأمراض قد لا يؤثر في الإرادة. ذلك أن هناك إرادات كثيرة لا إرادة واحدة. فلقد تجد الشخص المريض وقد أصيب في إرادته الأدائية العضلية، بينما يكون قوي الإرادة في إرادته الذهنية أو الثقافية. فثمة فلاسفة وأدباء قد ألفوا أعظم أعمالهم وهم على فراش المرض، بينما تجد أنهم لم يكونوا ليتمكنوا من النهوض بأعمال ومهام عضلية تحتاج إلى قوة عضلية وإلى بذل جهد جسمي.
فكثير من أمراض الارادة مردة إلى عوامل وجدانية سواء كانت عوامل حب أم عوامل كراهية. فلقد تكون شدة الحب لنشاط معين سببا في انصراف المرء عن ممارسة نشاط آخر. فلقد تجد الشاب الذي يسيطر حب كرة القدم على قلبه، وقد انصرف عن متابعة دروسه أو قد تقاعس عن الاستذكار والاستعداد لدخول الامتحان والتفوق في أدائه. ومن جهة أخرى فإنك قد تجد كراهية نوع معين من النشاط سببا في تخاذل الارادة عن النهوض به. فكراهيتك للقراءة قد تجعلك ضعيف الارادة بإتجاه استذكار دروسك أو بتجاه أي عمل ذهني أو ثقافي. ولقد يكون الحب العارم أو الكراهية الشديدة مؤقتين لأسباب مؤقتة. كما أنهما قد يكونان لأسباب مستمرة وذات فاعلية دائمة في حياة المرء. فإذا كان الحب والكراهية يتعلقان بأسباب مؤقتة، فإن ضعف الارادة يكون مؤقتا. أما إذا كان الحب والكراهية راسخين ومستمرين، فإن ضعف الارادة يظل جاثما على حياة المرء.
فثمة عوامل آنية تتعلق بالوقت الراهن من جهة، وثمة عوامل تضرب بأطنابها في حياة المرء منذ طفولته الباكرة من جهة أخرى، فلقد تكون هناك خبرات قديمة في طفولة المرء قد تركت آثارا قوية لا تندرس بمرور الوقت، بل هي تؤثر بطريق أو آخر في نشاط المرء وفي قوة إرادته. إنها قد تحول بينه وبين ممارسة النشاط في الحياة. فمثل هذا الشخص مهما حاول أو مهما مارس الآخرون من حوله وسائل الضغط عليه أو مهما مارسوا وسائل الترغيب والتشجيع المتباينة معه فإنه يجد نفسه خائر الإرادة لا يستطيع أن ينجز الأعمال أو أن يضطلع بالمهام، ناكصا عن التنفيذ أو عن العمل. ومن المعروف أن سجموند فرويد هو أول من أماط اللثام عن أهمية وفاعلية العوامل اللآشعورية في حياة المرء.
فالواقع أن الإطار الاجتماعي الذي يغلف حياة المرء له تأثير كبير في قوة الإرادة. فلقد لوحظ أن الشخص في إطار المجموعة قد تقوى إرادته في إنجاز بعض الأعمال، بينما تضعف إرادته في إنجاز أعمال أخرى. فالأداء الحركي يقوى ويتدعم إذا كان المرء منخرطا في إطار جماعة من أنداده، فالجندي في ميدان القتال يضطلع بأعمال إرادية تتسم بالبطولة، وذلك بفضل تواجده مع أقرانه من الجنود، بيد أنه لا يستطيع أن يبدي نفس تلك الطاقة التي يبذلها أو أن يضطلع بما يضطلع به وهو في الإطار الاجتماعي إذا كان وحده يعمل في عزلة. ولكن من جهة أخرى فإن الفنان أو الأديب قد لا يستطيع أن ينتج فنا أو أدبا وهو في خضم الحياة الاجتماعية. فلقد يجد الفنان نفسه بحاجة إلى العزلة الطويلة والتأمل المستأني بعيدا عن المجتمع حتى يتسنى له أن يبدع فنا أو أدبا.
فالأعمال التي يقوم بها أحد الأفراد إنما تكون بحاجة إلى قدر معين من المعرفة التي تتعلق بممارسة ذلك العمل. فأنت لا تستطيع أن تنهض بأي عمل ما لم تكن تعرف كيف يتم إنجازه. فالإرادة لا تعتمل في فراغ، بل تعتمل في ضوء أسس معرفية تتعلق بمضمون العمل وخطوطه العريضة. ولقد نقول إن توافر الحماس لأي عمل لا يكفي لانجازه. فلابد من تظافر المعرفة مع الحماس حتى تثمر المعرفة ويثمر الحماس ثمارا على أرض الواقع الحي. ونحن لا نعني بالمعرفة تلك المعرفة الذهنية وحدها، بل نضيف إليها المهارات، سواء كانت مهارات أدائية أم مهارات إجتماعية. فالمعرفة التي نعنيها هي تبصر ذهني وتبصر مهاري في نفس الوقت.
فثمة بعض الأشخاص يقبلون على الإختراع أو على الإبداع الفني أو الإبداع الأدبي. فما لم تتوفر لدى أولئك الناس المقومات الشخصية التي تهيئهم للإختراع أو للإبداع، فإنهم يستطيعون تقديم أي إختراع أو أي إبداع غني أو أدبي. والعوامل الإبداعية تأتي عن طريق الوراثة من جهة وهي التي تكفل توفير إستعدادات معينة بالشخصية، كما تأتي من جهة أخرى عن طريق المرانة والدأب على التمرن والتأمل وإعمال الخيال في المجال الإختراعي أو الإبداعي الذي يشارك فيه المرء. ولعلنا نقول إن قوة الإرادة التي يتمتع بها المخترع أو الفنان أو الأديب تلعب دورا أساسيا فيما يقدمه من مخترعات أو إبداع فني أو أدبي. إن العوامل الإبداعية لدى المخترع أو الفنان أو الأديب يجب أن تضاف إلى العوامل الخمس السابقة حتى تتوفر لديه قوة الإرادة الإبداعية..
هل أنت شخصية قوية؟

كل شاب يريد أن يكون شخصية قوية. وكل شابة تحب أن يقول عنها معارفها وأصدقاؤها إنها شخصية قوية. ولكن قلما يتفق الشباب على تعريف محدد للشخصية القوية. والدليل على هذا أنك إذا قمت بسؤال مجموعة من الشباب كل على حدة عن صفات الشخصية القوية، فإنك ستجد إختلافات جوهرية في وجهات النظر.

قد يقول واحد من الشباب إن الشخصية القوية تتمثل في السيطرة على الآخرين. فالمدرس الذي يضبط الفصل ولا يسمح بالتهريج يكون شخصية قوية. وحكم المباراة الذي يسيطر على اللاعبين يكون شخصية قوية. وهكذا يقال عن كل شخص في موقع قيادي إنه شخصية قوية إذا إستطاع أن يفرض رأيه على الآخرين.

ونحن لا نستطيع أن نوافق على تعريف الشخصية القوية ب؟أنها الشخصية المسيطرة. فلقد تكون السيطرة بالتخويف والإرهاب. فالمدرس قد يضبط الفصل لأنه يهدد الطلبة بدرجات أعمال السنة. وحكم المبارة يحزم ويخشاه اللآعبون لأنه متهور ويطرد المعترض من اللعب.

ولقد تجد نفس هذا المدرس وقد وقف خائفا أمام المدير أو الوزير. ولقد تجد نفس الحكم وقد أبدى الخوف أمام رئيس الإتحاد. فها يمكن وصفهما بقوة الشخصية.

وما قولك في الأشخاص الذين لا يتطلب عملهم السيطرة على الآخرين؟ ما قولك مثلا في الطبيب والصحفي والمذيع وعامل البناء وسائق التاكسي؟ هل نحكم عليهم بضعف الشخصية لأنهم لا يسيطرون على الآخرين؟ إننا نرفض إذن تعريف الشخصية القوية بأنها الشخصية المسيطرة على الآخرين.
وهناك تعريف أخر للشخصية القوية يشيع هذه الأيام. فالشخصية القوية هي تلك الشخصية التي تستطيع أن تربح مالا أكثر مما يربحه الآخرون. فكلما كنت أكثر ربحا، كانت شخصيتك أقوى في نظر أصحاب هذا التعريف.

والواقع أن هذا التعريف يتهم الكثير من الشرفاء بأنهم شخصيات ضعيفة. فجريا وراءه يكون الجزار أقوى شخصية من وكيل النيابة. ويكون السمسار أقوى شخصية من أستاذ الجامعة. فنحن نرفض هذا التعريف إذن.

وبعض الشباب يعرفون الشخصية القوية بأنها الشخصية التي تستطيع أن تتصرف بنجاح في المواقف المختلفة. والواقع أن التصرف الناجح يمكن أن يكون تصرفا غير أخلاقي. فلقد يكون اللتاجر ناجحا في تجارته ولكنه يتخذ من الكذب والغش وسيلة لنجاحه. وقد ينجح الطبيب في عيادته لأنه يتملق المرضى وليس بفضل مقدرته في فنون الطب. فنحن نرفض أيضا هذا التعريف للشخصية القوية.
أما التعريف الذي نقبله للشخصية القوية فهو أنها الشخصية التي تستمر في النمو والتطور السليمين. فصاحب العقلية المتحجرة ضعيف الشخصية. ومن لا يستفد من وقته وعافيته وإمكانياته ضعيف الشخصية. ومن لا يعدل من سلوكه ويقلع عن أخطائه يكون أيضا ضعيف الشخصية. فقوة الشخصية تتمثل في القدرة على الإختيار من بين أشياء كثيرة، والتمييز بين الخير والشر، والصواب والخطأ، ومعرفة الحاضر وتوقع المستقبل. فبالنمو والتطور تكون الشخصية قوية ومثمرة في نفس الوقت.

ولعلنا نحاول فيما يلي إستعراض خصائص الشخصية القوية، وهي الخصائص التي إذا ما توافرت لدى أي شخص فإننا نستطيع إعتباره عندئذ شخصية قوية. على أننا قد إستبعدنا جميع الخصائص الوراثية التي لا دخل للجهد الفردي في إحرازها، وذلك في سبيل إحراز خصائص شخصية معينة يتأتى عن محصلتها خصيصة عامة هي قوة الشخصية.

وخصائص الشخصية القوية على النحو التالي:
أولا- إن الشخصية القوية هي تلك الشخصية التي لا توصد أمامها أبواب الخبرات، بل هي تلك الشخصية التي تسعى للإفادة من الفرص المتاحة لها لتلقى خبرات جديدة. وهذا يتطلب من المرء بذل الجهد للقرع على أبواب الخبرات على تباينها. ولعلنا في المقابل نقول إن الشخصية الضعيفة هي تلك الشخصية التي تتقاعس عن التحصيل الخبري من جهة، والتي لا تبذل جهدا لتوفير أو لفتح مجالات الخبرة أمامها أو التي تتعامى عن الفرص المتاحة وعن المجالات الخبرية الكثيرة المتوافرة من حولها من جهة أخرى. فينتج عن هذا ما يمكن أن نسميه بالعمى الخبري. فبينما تتمتع الشخصية القوية بمجال رؤية خبرية واسع، فإن الشخصية الضعيفة لا تستطيع أن تبصر أو أن تتبين الفرص الخبرية المتاحة لها..
ثانيا- تتمتع الشخصية القوية بالقدرة على ما يمكن أن نسميه بالهضم الخبري.
فلا يكتفي صاحب الشخصية القوية بتحصيل الخبرات المعرفية أو المهارات أو الاتجاهات، بل هو يتمتع إلى جانب هذه القدرة على استيعاب وهضم ما سبق له أن تلقاه، بل إنه يكون قادرا على إقامة وشائج وعلاقات دقيقة ومتكثرة فيما بين العناصر الخبرية الكثيرة التي سبق له اكتسابها. فليس من المهم أن تكتنز الكثير جدا من الخبرات، بل الأهم من هذا هو إحالة ما تكتسبه إلى قوام من قوامك، وإلى لحم من لحمك، وإلى جوهر من جوهرك. فالخبرات التي يخلق بك أن تدعى أنها صارت ملكا لك ليست الخبرات التي حصلتها، بل الخبرات التي هضمتها وسيطرت عليها وصارت من صميم كيانك الخبري.
ثالثا- إن الشخصية القوية هي تلك الشخصية التي تستطيع أن تحيل خبراتها التي اكتسبتها إلى سلوك. فلا يكفي أن تحفظ في ذاكرتك قائمة بالفضائل التي ينبغي أن يستمسك بها المرء في الحياة، بل يجب أن تترجم تلك القائمة إلى سلوك في حياتك اليومية وفي علاقاتك بالآخرين. فعليك أن تحصل من جهة، وأن تهضم من جهة ثانية، وأن تحيل ما حصلته وهضمته إلى سلوك في واقع حياتك اليومية من جهة ثالثة.
رابعا- إن الشخصية القوية تسير في حياتها بأضلاع زمانية ثلاثة. فهي تتسلح بالماضي والحاضر وبالمستقبل جميعا. فصاحب الشخصية القوية يترجم الحاضر في ضوء خبرات الماضي، كما أنه يتنبأ بالمستقبل في ضوء خبرات الماضي ووقائع الحاضر. فالفائدة التي يحرزها صاحب الشخصية القوية من خبراته ترتبط بالماضي الذي يصب في الحاضر، كما ترتبط بالحاضر الذي يصب في المستقبل. وبتعبير آخر فإن صاحب الشخصية القوية يستفيد من ذاكرته من جهة، ومن ذكائه من جهة ثانية، ومن تشوفه إلى المستقبل من جهة ثالثة. ومن المعروف أن الذاكرة تتعلق بالماضي، كما يتعلق الذكاء بمشكلات الحاضر، كما يتعلق التنبؤ بالمستقبل بما يخطط له المرء من مشروعات وأعمال يعتزم تنفيذها في المستقبل القريب أو المستقبل البعيد. والواقع أن الشخصية الضعيفة متعلقة بذكريات الماضي تجترها وتعيش عليها، أو لقد تجد الشخصية الضعيفة ترتمي في أحضان أحلام اليقظة التي ترتبط بمخططات مستقبلية غير مرتكزة على خبرات الماضي ووقائع الحاضر، أو لقد تجد الشخصية الضعيفة لا تنظر إلا تحت قدميها، فهي لا تستفيد من خبرات الماضي في إلقاء الضوء على وقائع الحاضر، كما أنها لا تعمد إلى التنبؤ باستجلاء المستقبل كما أنها لا تضع تخطيطا تجابه به ظروف ذلك المستقبل المتوقع.
خامسا- إن الشخصية القوية تستطيع أن تنظر من الزاوية التي ينظر منها الآخرون وتقيم الاعتبار للنسبية أو للزوايا الكثيرة المتباينة التي يمكن أن ينظر منها إلى الشيء الواحد. فهي مثلا تعتقد أن للناس المتباينين معتقداتهم المتباينة. وصاحب الشخصية القوية ينظر إلى الطفولة من زاوية الطفولة، كما أنه ينظر إلى الشيخوخة من زاوية الشيخوخة، ويتعامل مع كل إنسان في ضوء الاعتبارات والظروف الخاصة بذلك الإنسان. وبتعبير آخر فإن صاحب الشخصية القوية لا يخضع الناس لما يخضع له هو،بل هو يخضع نظرته لما يخضع له الآخرون. ولكن هذا لا يعني أن صاحب الشخصية القوية يتلون مع كل تيار، بل يعني فقط أن صاحب الشخصية القوية يعترف بوجود فروق بينه وبين الآخرين، بل ويأخذ في اعتباره الظروف والملابسات التي جعلت غيره من الناس يتباهون عنه. فهو يعترف بأن التباين وليس التطابق هو القاعدة العامة.
سادسا- إن الشخصية القوية هي الشخصية التي تعرف كيف تتواءم مع المستويات الثلاثة التي توجد بالمجتمع، فأنت قد تكون في أحد المواقف رئيسا، وفي موقف آخر قد تكون مرءوسا، وفي موقف ثالث قد تكون زميلا. فهل تستطيع أن تلعب الدور المطلوب منك في الموقف الذي تجد نفسك فيه. لقد لوحظ أن بعض المرءوسين عندما يرقون إلى الوظائف الإشرافية، فإنهم لا يستطيعون أن يلعبوا الدور الرئاسي المطلوب منهم أداؤه. ومن صفات الشخصية القوية أنها تستطيع أن توائم بين سلوكها وبين الوضع
سابعا- إن الشخصية القوية هي الشخصية التي تترك أثرا والتي تلعب دورا إيجابيا في الحياة. فلقد تجد شخصية تفكر جيدا وتتحمس لأداء ما فكرت فيه، ولكنها لا تستطيع أن تنفذ ما اعتزمت القيام به. ونحن نقصد الخير لا الشر بإزاء ما تضطلع به الشخصية القوية. فاللص وإن كان يقبل على السرقة- وقد خطط لها- فإنه لا يعتبر شخصية قوية. فلكي تكون شخصية قوية، فإن عليك أن تترك أثرك فيما حولك وفيمن حولك بحيث يكون أثرا مفيدا وخيرا في نفس الوقت.
اختلف الفلاسفة حول تحديد معنى السعادة. لقد وجدها البعض منهم في الملذات الجسمية. وهؤلاء يقولون إن سعادة الإنسان لا تختلف في جوهرها عن سعادة الحيوان.
وعلى نقيض هؤلاء الفلاسفة الشهوانيين نجد فئة أخرى من الفلاسفة يقولون إن السعادة تكمن في محاربة الشهوات والسعي وراء الروحانيات. فسعادة المرء تكمن في النسك والتصوف والتمسك بالقيم الروحية. وهؤلاء الفلاسفة يرون السعادة في مناصرة الروح، معتقدين أن الإنسان جوهره روح لا جسد.

وهناك فئة ثالثة من الفلاسفة يقولون إن السعادة في المعرفة. فالفلاسفة والعلماء سعداء لأنهم يعرفون أسرار الحقائق ويقفون على الأشياء التي لا يفهمها عامة الناس.

ومن الفلاسفة من يعتقدون أن السعادة في الإحساس بالجمال. فالفنانون والشعراء هم الجديرون بالإحساس بالسعادة.

والفئة الخامسة من الفلاسفة يعتقدون أن السعادة تتأتي للإنسان نتيجة التوازن بين جميع المطالب والرغبات والحاجات الإنسانية. فأنت تكون سعيدا عندما تحقق التوازن بين حبك لمعرفة المجهول بعقلك، وبين تذوقك للجمال بقلبك.

ونحن نؤيد هذا الرأي الأخير ونضم صوتنا إليه. فالسعادة هي إحساس المرء بالتوازن بين المطالب والرغبات المتباينة. فأنت لا تكون سعيدا عندما تحصل على جميع أموال الدنيا وتغرق في الشهوات إلى أذنيك، بينما تهمل مطالب روحك. ولو كانت السعادة في الرغبات الجسمية وحدها، لكانت القطط والكلاب أكثر سعادة من الإنسان.

وحتى إذا كانت القطط والكلاب سعيدة بحياتها، فإن سعادة الإنسان شيء آخر.
فأنت روح وجسد، ولست جسدا فحسب. وكما أن جسدك له شهواته، فإن روحك لها أيضا رغباتها. وحري بك ألا تظلم روحك بانحيازك إلى جسدك، وألا تظلم جسدك فتنسى مطالبه وحاجاته بسبب تعلقك بمطالب روحك.

ويخطئ بعض الشباب عندما يهتمون بصقل عقولهم وحشوها بالمعلومات، بينما هم يهملون الوجدان ومطالبه. فالواقع أن عقلك يصقل بالمعرفة، كما أن قلبك يصقل بالجمال. فلا تهتم بعقلك دون قلبك. إنك إذا أهملت قلبك فإنه يصدأ كالنحاس والحديد. فبإهمالك له فترة طويلة تفقد شيئا جوهريا في حياتك.

هناك علماء أهملوا قلوبهم فندموا، ولكن بعد فوات الأوان. لقد فقدوا القدرة على تذوق اللحن الجميل. إنهم لم يعودوا قادرين على تأمل اللوحة الفنية الجميلة أو التمثال الرائع. ذلك أن حياتهم صارت أرقاما وحقائق جافة. إن العالم الذي يفقد الإحساس بالجمال لهو آلة حاسبة أو إنسان آلي. إنه ليس إنسانا، بل هو شبه إنسان.

فسعادتك لا تكمل إلا بتحقيق التوازن بين أشياء كثيرة. وخلاصة القول إن السعادة لا تتحقق بالمبالغة في رعاية جانب من شخصيتك ونسيان باقي الجوانب. إنك تصير شخصية متكاملة وسعيدة إذا كنت عادلا بإزاء جسمك وروحك وعقلك ووجدانك.
ولا ننسى أن نذكرك بضرورة توظيف الجسم والروح والعقل والوجدان لسعادتك وسعادة الآخرين من حولك. ذلك أنك لا تستطيع أن تحس بالسعادة إلا إذا جعلت الآخرين أيضا سعداء.
ولعلنا نستعرض الركائز التي تقوم عليها السعادة فنجد أنها على النحو التالي:

أولا- الركيزة الوراثية:

فثمة إستعدادات موروثة للسعادة يتلقاها المرء عن الوالدين وعن الأجداد القريبين والأجداد البعيدين. ولسنا نغالي إذا قلنا إن إفتقاد المرء لتلك المورثات يمكن أن يجعل منه شخصا شقيا لا يحس بالسعادة في حياته مهما توافرت له الأسباب الخارجية التي يظنها الناس كفيلة بتوفير السعادة لأي إنسان تتوافر له كالمال والجاه والسلطان والصحة والعلم ونحوها. ولعلنا نذكر أن كثيرا من الأمراض العقلية التي تصيب المصابين بها بالإكتئاب والحرمان من السعادة إنما هي في الواقع ذات أصول وراثية بحيث لا يمكن حماية الشخص من الإصابة بها مهما توافرت حوله الأسباب التي يظن أنها تحول دون الإصابة بها. من ذلك مثلا مرض الفصام " الشيزوفرنيا".
فبعد أن يولد المرء وقد حمل بين أضلعه خصائص وراثية يمكن أن تشكل ركيزة لسعادته، فإنه يكون من جهة أخرى بحاجة إلى من يقوم برعاية ما جبل عليه من خصائص ومقومات وراثية بيولوجية ونفسية جيدة. ومعنى هذا أنه إذا ما انضافت الركيزة الوراثية إلى الركيزة الصحية، فإن هذه الركيزة الأخيرة تعمل عملها وتوفر أسباب السعادة للمرء. على أن من الممكن أن تتوافر الظروف الوراثية الجيدة، ولكن عدم العناية بالصحة يشكل عامل ضياع للسعادة التي كان يمكن أن تقيض للمرء. ونحن نعرف جيدا العلاقة الحميمة بين السعادة وبين الصحة ناهيك عن أن العاهات التي قد تصيب المرء كثيرا ما تؤدي بسعادته، وتضر به بكثير من أسباب الشقاء.
فنحن نعلم جيدا أن السعادة ترتبط بما يعتمل في ذهن المرء من مفاهيم، وبما يتمتع به من مهارات، بل وما يكتسبه من عواطف وإتجاهات. فإذا ما نظرنا إلى الثقافة بنظرة عامة وشاملة، فإننا نجد أن الخبرات التي يحصل عليها المرء كثيرا ما توفر له أسباب السعادة. ذلك أن الإنسان طلعة بطبعه. فهو عندما يحصل على الخبرات المتباينة، فإنه يستشعر السعادة في أثناء تحصيل الخبرات، ثم هو يستشعرها بعد حصوله عليها وتمكنه منها وسيطرته عليها. ولقد نزعم بحق أن الإنسان كان منذ شعوره بنفسه على هذه البسيطة باحثا عن السعادة من خلال بحثه عن مناهل المعرفة والاستكشاف. ولقد نقول أيضا أن الطفل يستشعر السعادة كلما إنفتح أمامه مجال يشبع نهمه في المعرفة ويحدى ذكاءه ويستشير خياله ويساعده على الإفادة من أطرافه بإتيان أشكال حركية جديدة وبإكتسابه للمهارات التي لم يكن له دراية بها أو قدرة على إتيانها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
جوهرة فلسطين
الاشراف العام
الاشراف العام
avatar

عدد المساهمات : 1770
نقاط العضو : 2224
تصويتات للعضو : 25
تاريخ التسجيل : 01/09/2009

مُساهمةموضوع: رد: الشخصية الناجحة   الخميس ديسمبر 30, 2010 9:14 am

جزاك الله خيرا

---


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الشخصية الناجحة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
تجمع أهالي قرية برير المحتلة :: كل ما يتعلق بالخدمة والرعاية الاجتماعية-
انتقل الى: